في خضم التحديات الأمنية التي تعصف بلبنان، تبرز قضية التعليم كقلب نابض يستحق منا وقفة تأمل عميقة. ما لفت انتباهي شخصيًا هو الإعلان الرسمي من وزيرة التربية والتعليم العالي، السيدة ريما كرامي، الذي يضع ملف التعليم على رأس الأولويات الوطنية. هذا ليس مجرد تصريح عابر، بل هو اعتراف صريح بأن استمرارية العملية التربوية في ظل الاضطرابات ليست رفاهية، بل ضرورة ملحة للحفاظ على مستقبل الأجيال.
التعليم عن بُعد: تباين الأرقام ورؤية مزدوجة
ما أثار فضولي حقًا هو التباين في الأرقام المتعلقة بالمدارس التي انتقلت إلى نظام التعليم عن بُعد. تتراوح التقديرات بين 350 و400 مدرسة، وهذا التفاوت يعكس تعقيدات المشهد التعليمي في لبنان، حيث تتداخل ملكية المباني وتتوزع المدارس بين كيانات مستقلة وأخرى تشترك في نفس المساحات. من وجهة نظري، هذا التفاوت ليس مجرد إحصائية، بل هو مؤشر على الحاجة الماسة إلى رؤية موحدة ومرنة قادرة على التكيف مع الواقع المتغير. الوزارة، في محاولة منها لمعالجة هذا الوضع، اعتمدت نظامًا مزدوجًا. المسار الأول يركز على المسح الميداني للمدارس المغلقة قسرًا، محاولةً تحديد أماكن تواجد الأساتذة والطلاب ومدى توفر الأدوات التعليمية. هذا النهج، وإن كان تقليديًا، يحمل في طياته لمسة إنسانية عميقة، فهو يضع الطالب والمعلم في صلب اهتمام الوزارة.
أما المسار الثاني، فيعتمد على تفعيل برنامج Teams مع توفير خدمة إنترنت مجانية. هذا التوجه نحو التكنولوجيا يعكس إدراكًا لأهمية التحول الرقمي في التعليم. ومع ذلك، فإن نسبة التفاعل التي بلغت نحو 40% تثير تساؤلات مهمة. هل تعكس هذه النسبة محدودية الوصول إلى التكنولوجيا، أم ربما ضعفًا في المحتوى التعليمي المقدم عبر المنصة؟ شخصيًا، أعتقد أن الأمر قد يكون مزيجًا من الاثنين. ما يجعل هذا الأمر أكثر إثارة للاهتمام هو تكثيف جهود دعم الأساتذة وحل المشكلات التقنية، مما يشير إلى وعي الوزارة بالعقبات التي تواجه التنفيذ الفعلي.
الشهادات الرسمية: توازن بين الواقع والتوقعات
فيما يتعلق بطلاب الشهادة الثانوية، فإن معلومة أن أكثر من 90% منهم يمتلكون أجهزة خاصة هي نقطة مضيئة. هذا يعني أن البنية التحتية التكنولوجية لدى شريحة واسعة من الطلاب موجودة، مما يفتح الباب أمام إمكانيات أوسع للتعليم عن بُعد. ومع ذلك، فإن صدور تقارير الإرشاد خلال أسبوع لتقييم مستوى التفاعل وجودته سيحدد مدى نجاح هذه المبادرات. من وجهة نظري، فإن تقييم جودة التفاعل أهم بكثير من مجرد قياس نسبة الحضور.
أما عن الامتحانات الرسمية، فقد أكدت الوزيرة أن القرارات المتعلقة بطبيعة الأسئلة ومضامينها تُتخذ عادة في شهر أيار، وأن التأخير الحالي طبيعي. هذا التصريح يهدف إلى طمأنة الطلاب بأنهم لن يُطلب منهم أي جزء لم يُدرّس لهم. ما يثير قلقي هنا هو مفهوم "الإفادات غير العادلة". الوزارة حريصة على تفاديها، سواء أجريت الامتحانات بصيغة وطنية موحدة أو بالنمط التقليدي. هذا يعكس سعيًا نحو تحقيق العدالة، وهو أمر يستحق الثناء، لكنني أتساءل عن الآليات الدقيقة التي ستضمن تحقيق هذه العدالة في ظل الظروف الاستثنائية.
الجنوب المتضرر: خطط طموحة وتحديات واقعية
في المناطق المتضررة في الجنوب، هناك خطة متكاملة لمعالجة الوضع، تشمل توفير مدارس بديلة. هذا يمثل بصيص أمل في ظل الدمار. ما يلفت انتباهي هو وصف الوزيرة للمدارس التي نجحت في استئناف التعليم عن بُعد رغم ظروف النزوح بـ"الشهادة البطولية". هذه الكلمات تحمل في طياتها تقديرًا عميقًا للصمود والإصرار. من ناحية أخرى، فإن تكثيف التواصل مع الجهات المانحة لتأمين موارد إضافية هو خطوة استراتيجية ضرورية لضمان استدامة التعليم في هذه المناطق.
في الختام، أرى أن جهود وزيرة التربية والتعليم العالي تستحق المتابعة والتقدير. إنها تواجه تحديات هائلة، وتحاول جاهدة الموازنة بين استمرارية العملية التعليمية، وضمان جودتها، وتحقيق العدالة بين الطلاب. ما يجعل هذا المشهد برمته مثيرًا للاهتمام هو كيف يمكن للتكنولوجيا، جنبًا إلى جنب مع الإرادة البشرية، أن تتغلب على العقبات وتفتح آفاقًا جديدة للتعليم في أصعب الظروف. هل يمكن لهذه التجربة أن تشكل نموذجًا للتعليم في الأزمات المستقبلية؟ هذا سؤال يستحق أن نفكر فيه بعمق.